عن الموت إذا صار حكاية قبل المنام
لمْ يكُنْ الْمَوتُ يَومًا مَوضُوعَ حَدِيثٍ شَيّقٍ لأيِّ والدٍ ليقُصَّه على أبنائه. لكنّه غدا ضَرورةً لمّا تفشى الوباءُ الأخيرُ، وتناهتْ إلينا أنباءُ الفقدِ في عِدّةِ أُسَر.
صعُبَ عليّ إسنادُ مهمةِ حَديثٍ هامٍ كهذا إلى غيري .. أنا أمهم التي خاضتْ معهم مراحلَ التكوّنِ والنّشأةِ المُباركة، وألمَ المخاضِ، وسهرَ التربيةِ بكُل تفاصيلها وعنائها وجمالها. إذن لم يكن من بدٍ إلا أنْ أديرَ هذا الحديثَ معَ صغاري بِصدقٍ ووضُوحٍ.
أذكر أننا تحدثنا عن تفاصيلَ كثيرةٍ، أروى بكتْ وهي تصِفُ لي مخاوفها من حياةٍ طويلةٍ دوني. وأنا أدركُ تمامًا تعلُّقها بي، معاذ كان أصغر من استيعابِ الفِكرةِ لكنه بدا قلِقًا وهُو يُتابِعُ دُموعَ أخواته.
وأدركُ أن النُّورين خبّأتا مخاوفَ أعمقَ لمْ يحكينها بينَ العَبراتِ التي انهمرتْ رُغم جهدهن البالغِ لمقاومتها.
خلاصةُ الحديثِ الأليمِ الطويلِ أننا لا نملك ضماناتٍ، ولا ندري هل سيمرُّ بنا هذا الابتلاءُ بردًا وسلامًا، أمْ أنّ اللهَ قد اختار مُسبقًا أحدنا لِيفِدَ إليه.
الآن ..
أعيشُ انخلاعَ القلبِ من طمأنينته وأنا أتأملُ مشاهِدَ القصفِ الفاجرِ على سماءِ غزّة وأهلها.
أنهمرُ دمعًا ساخِنًا وأنا أحسُّ بِتلكَ الأكفانِ الصّغيرةِ على ذراعي.
ترتبكُ الأنفاسُ في صدري وأنا أنصتُ لارتجافِ صَوتِ اليتامى، ورعدةِ الخوفِ التي تتسلل إلى أطرافِهم.
والدماءُ تقطرُ على عُيونِهم وخُدُودِهم وخصلاتِ شعرهم. ملابسهُم المُمزقةُ الحزينةُ، والأحذيةُ التي أنساهُم الفَزَعُ انتعالَها.
وأتساءلُ كأمٍّ تعي أنّ الأمهاتَ لا يترددن لحظةً لأنْ يُقابلن الموتَ كُلّه على أنْ يسلمَ لهُن الصِّغار.
أتساءلُ.. كيف تقصُّ أمهاتُ غزّة حكايةَ الموتِ على صغارهن؟
ومتى يكون التوقيتُ ملائمًا لأن تُصارِحَ الأمُّ أحبَّ ناسها بأن هذه الحياةَ اليوميّةَ لنْ تدوم؟
ومتى تحكي لابنتها عن الأيامِ التي قد لا تكون لها فيها حيةً لتسرِّحَ شعرها أو تُبخِّر ثوبها أو تهبها تعليقًا طيّبًا على ذوقها الرائع؟
متى الوقت الأنسب لتعتذر لابنها على الزفافِ الذي لن تشهده، والأحفاد الذين لنْ يسمعوا يومًا ألحانها الحانية؟
والأهم ..
كيف يستقبلن طعنةَ خبرِ استشهادِ تلك الأجسادِ الصغيرة؟
كيف يُروِّضِن وحوشَ الفقدِ والشَّوقِ لوجوههم؟
كيف ينسين أذواقَهم واختياراتِهم المفضلة؟
كيف يتناسين أصواتَهم وضحكاتِهم؟
كيف يبقين أمهاتٍ لما تبقى من صغارهن دُونَ أن يظهرَ خواءُ الحُزن على عيونهن وأكتافهن؟
كيف يحتملن اللقمةَ وهي تتسلل إلى أجسادهن وهن يتذكرن الصغيرَ الذي لنْ يشهدَ اجتماعهم العائلي؟
هل يُحصين الأيامَ بعدَ الرحيل؟
هل ينتظرن الموتَ كمُسافرٍ عائد؟
أرى إحداهُن تناشدُ ابنها المُسجّى في كفنه المُبللِ بالدم أن يزورها في المنام؛ لأنها ستشتاق إليه .. تشتاق إليه!
والثانية تلوّحُ بيديها الكسيرة وهي تنادي على صِبيَتِها مُودِّعةً " زينة الشباب انتوا ".
والثالثة ترجو الناسَ أنْ يدسُّوا لها ابنتها في حضنها وهي مكسورةُ الذراعِ، ثم تضمُّها ضَمّةً أعلم يقينًا أنها تمنتْ لو كان بوسعها أن تدفنها بين ضلوعها لا في تراب المقبرة.
والرابعة تلحقُ بجنازةِ ابنها ب" مع السلامة يمّا".
"مع السلامة" ترسلها كغَيمٍ باردٍ ليَصحَبَ الجسدَ المُثخنَ بالجراح، وهي تكملُ مخاطبةً اللهَ وحده:" يا ربي أنا راضية عنه".
والخامسة التي أشهدتنا جميعًا أن الصغارَ ماتوا جائعين !
أفهمُ كيف أشرح موتي لصغاري
ولا أستطيعُ استيعابَ ولا تخيُّلَ عكسَ ذلك
ولذا أصلّي كل لحظةٍ لأمُهات غزّة
وأصلي لأطفالِ غزّة
وألعنُ الاحتلال كُلّه
ذكره وأنثاه
صغيره وكبيره
ظاهره وباطنه
ومن عاونه
ومن والاه
ومن سكتَ عنه
ولا أعتذر لأمهاتِ غزّة .. لا أعتذر لأن الاعتذارَ لن يعيدَ للثاكلاتِ بهجةَ القلبِ المخلوعِ ما حيين حتى يلقين أبناءَهُنّ في حضرةِ اللهِ الذي لنْ يُضيعَ صبرهن.
وأستغفرُ اللهَ من قلة الحيلة والمذلة والهوان.
وأبرأ ألى الله من هذا التخاذل.
ولا حولَ ولا قُوّة إلا باللهِ العلي العظيم.
رُقيّة الهُوتيّة
٢٣/ أكتوبر/٢٠٢٣
Comments
Post a Comment