الجُثّةُ التي لمْ يتفقّدها أحد
الجُثّةُ التي لَمْ يَتَفَقَّدها أحَد
يَقْطُرُ الْمَطرُ بِمَهَلٍ على الْجُدُرِ المُبَعثَرَةِ،
والحَائِطُ الثَّقيلُ المُستَنِدُ على فقراتِ ظهري صَامتٌ بِصُورةٍ مُريبٍة. ناديتُه مِرارًا لمَّا هوى عَلَيّ، حاولتُ مُفاوضَتَه بِالتّنَحِي قَلِيلاً عَنِّي لِأقومَ، لا يرد، إنَّه لا يرد.
رُبَّما ماتْ
أو رُبَّما أحزنته سُرعَةُ النِّهاية!
أو أن خَيْبتَهُ هائِلةٌ لانهيارِ عِمارتِنا .. أظنُّ أنّه كانَ يرجُو عُمْراً أطولَ يَعيشُهُ قائِمًا ليشهدَ تعليقَ لوْحاتٍ عِدّة، ويرى وجُوهًا أكثر، ويَسمَعَ أسرارًا أعمقْ.
لكن عُمرَ قاطِني غَزّةَ لا يَطولُ أصلاً، حتّى بِالنِّسبَةِ للجُدرانِ الاسمنتيةِ. المهم .. هو لا يزالُ راقِدًا عَليّ بِكُليَّته.
اخترَقَتْ إحدى الأعمِدَةِ الفُولاذِيَّةِ أضْلاعَي، سَالَ دَمٌ سَاخِنٌ لَزِجٌ وثَقِيلٌ عَلَى ثَوْبِي.
سجادتي العَزيزةُ التي اخترتُها بِعِنايَةِ مُحِبٍّ مَفتُونٍ بِزخارِفِها البَدِيعَةِ الدَّقيقةِ .. تَبقَّعَتْ!
وغُبارُ المَبنَى حينَ تداعَى أكملَ تشْويهَها بِرماديَّته العقيمة.
لم يبحثْ عنّي أحد ..
أو ربّما وجدُوني، وعجزوا عن انتشالي لِشدّةِ القَصفِ، أو ربما ماتوا هُمْ أيضًا تَحتَ هَذا الحُطَام.
يدي باردةٌ .. أعجز عن تحريكها الآن
بعيدةٌ عَن وَجهي، وأنا أحبُّ حشْرها تحتَ خدّي حينَ أنامْ، ضَفِيرتي تتدلى خارِجَ حِجَابي، ولا أستَطِيعُ دَسَّها تحته.
..
أبحثوا عنّي؟
لا أسمَعُ صَوتًا
بَعد سِتّةٍ وسَبعِينَ يَومًا لا أحد!
..
يدي تتدلّى
الشَّمسُ تُقبِّلُها أحيانًا قُبَلاً طويلةً
وأحيانًا قد ترتاحُ على إصبَعِي ذُبابة.
هل استيقظَ العالَمُ من غيبُوبته الجَماعيّة؟
هل أحسَّ بِنا النَّاسُ؟
هل ارتاحتْ غَزّةُ منْ طَنِينِ المَوتِ المُوجِع؟
هل توقفَ صُدَاعُ النَّحِيب؟
لِمَاذا لمْ أدفَنْ بَعد؟
لِمَاذا لا يَرفَعُ عَنّي هَذَا الجِدَارَ أحَدٌ؟!
رُقيّة الهُوتيّة
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٣م
الصورة من منصة x
Comments
Post a Comment