ما جدوى حياة تعيشها خائفًا؟


ما جدوى حياةٍ تعيشُها خائِفًا؟!
( ما جدوى عُمر تقضيه هارِبًا؟ )


بِودّي لوْ أستفرِغُ الدُّنيا كُلّها ..
كُلّها حتى لا يبقى في جَوْفي مِنْها شيءٌ
تُسعَّرُ بي نارٌ تنهَشُني منْ هذا الخذلان المُقزِّز، من أنْ ترَ الْحَقَّ جليًّا واضِحًا بديهيًا، منطقيًا جِدًّا، ثم تتحجَّجُ الأفواجُ حولَكَ بِالمُوهِنات:
الناسَ ، ضياعَ المالِ، خسارةَ الدُّورِ والأولادِ

كُلْ كالدّابةِ
لا ترفعُ رأسَك
لا تُناقِشْ، لا تسألْ، ولا تعترِضْ

إذن، ما جدوى نبضٍ تهْدرُهُ ميِّتًا؟!


ثم يواجهك السؤال: ماذا عَنهُم هُم إذًا؟

الصَّغيرةُ التي سَحقُوا إخوَتَهَا تحتَ خُرسانةِ مَنزِلِهم؟
والطِفلُ الذي أخمدوا ضحكاتِهِ وأحالوهُ هامِدًا على كُفوفِ والدِهِ؟
والعروس التي وأدوا أفراحها دُفعةً واحِدةً؟
والابنُ الذي ودَّعَ أباه - مُحتضِرًا - في مكالمةٍ هاتفيةٍ؟
والزَّوجةُ التي باغتها وجهُ أحبِّ الناسِ إليها بينَ أفواجِ الجُثَثِ الدَّامية؟
والأمُ التي لا تدري أيُّ شبابها يُزفُّ إلى قَبرِه قبلَ عُرسِهِ؟
والأشلاءُ التي يُجهَلُ أصحابُها تحتَ الرُّكامِ الثَّقيلِ، حين تمتزجُ الدُّموعُ والملامحُ في لحظةِ الظُّلمِ الأخيرةِ؟!

ماذا عنهم إذًا؟
كُلُّهم .. ؟!

الملايين التي خُذِلت مذ سبعين عامًا وأكثر من الْقهر والْجُبْن وسلسلةِ الخِيانات الطويلة؟
الملايين التي هُجِّرت إلى كُلِ بِقاعِ الأرض، لا لذنبٍ سوى أنَّ حفنةً من المجرمين قررتْ - ذاتَ خُبثٍ قبيحٍ - أنْ تهبَ اللقطاءِ أرضاً تَلُمُّهُم.  


ماذا عنهم إذًا؟
ماذا عن أحلامهم وأيامهم وبيوتهم و آمالهم؟
ماذا عن حياتهم الطبيعية؟
كما تُرتِّب أنت إجازةَ أسبوعِكَ، وتقرِّرُ طعامَ عشاءك، وتنتقي ضُيُوفَ أُمْسيَتِك، وترجو لأبنائِكَ المُستقبلَ الأجملَ الأزهر؟!

ماذا عنهُم إذًا؟
حقُّهُم في الْوَفاةِ الطبيعيةِ بعدَ عمرٍ مديدٍ؟ والْحُبِّ الذي لا تتربصُ به احتمالاتُ الْمَوتِ المُفاجِئ؟ والنَّومَة الهانِئة دُونَ وقعِ القنابلِ وتهديداتِ المُكالمات الهاتفية المجهولة؟


ماذا عنهُم إذًا؟
اليتيمُ الكسير الوحيد؟
الهَرِمُ الثاكِل العاجِز؟
الأم التي سهرت كل ليلةٍ على أجنّتها لتخطفهم قنبلةُ اللعينِ في لحظةٍ واحدةٍ؟!

/
بودي لوْ أتقيأ العالمَ كُلّه
ألا أستيقظَ فيه غدًا
ألا أكون واحدةً من المحسوبين من هذا الْغُثاءِ المَهِين

أستفرغُ العارَ كُلّه
وأبرأُ أمامَ اللهِ من هذا الخذلان 
أبرأُ من وقوفي هامدةً أمامَ غزّةَ التي وَفَّتْ.

/

تسري بأطرافي مواجعُ كثيرةٌ
لمْ أعدْ أدري أمرضٌ هو أمْ أنَّ قلبي يذوبُ كمدًا مُتسرِّبًا في عُروقي ليتسبّبَ بهذا الوَجَع الهائِل.
كتفي يئِنُّ .. وأفاوِضُ قفصي الصّدريَّ ليَتَّسِعَ قليلاً، قليلاً أكثر؛ لأمتصَّ شهيقًا أعمق.

يُرهقني هذا الطغيانُ العتيقُ القديمُ المقيت، يقتلني هذا الصّمتُ المَشينُ القَبيح، وأموتُ .. أموتُ مع الأطفالِ الملفوفين بالأكفان، والصِّغار المنسيين في غيابتِ السِّجن، والصبايا الذاهلات، والنِّسوة اللاتي يبكين قامات الشباب.
أموتُ في جماعة الثاكلات مع الفاقدات المفقودات.
أموت بِبُقَعِ الدَّمِ تنسَحِبُ على أرديةِ الأطباءِ مُظهِرةً حَجمَ الفواجعِ والمواجعِ والخسارات.

يُرهقني هذا الظُّلمُ
وأموتُ يا ربي أموتُ


/
اللهُم ربَّ النّاسِ مَلِكَ النّاس إِلهَ النّاس
رافعَ السّماءَ بلا عمد
مُرسيَ الجِبالَ بلا سند
مُجري الدِّماءَ في العروق
نشكو إليك ما لا يخفى عليك
حسبنا أنت ونعم الوكيل


رُقيّة الهُوتيّة
٩ أكتوبر ٢٠٢٣

Comments

Popular posts from this blog

الجُثّةُ التي لمْ يتفقّدها أحد

عن الموت إذا صار حكاية قبل المنام