Posts

الجُثّةُ التي لمْ يتفقّدها أحد

Image
الجُثّةُ التي لَمْ يَتَفَقَّدها أحَد يَقْطُرُ الْمَطرُ بِمَهَلٍ على الْجُدُرِ المُبَعثَرَةِ، والحَائِطُ الثَّقيلُ المُستَنِدُ على فقراتِ ظهري صَامتٌ بِصُورةٍ مُريبٍة. ناديتُه مِرارًا لمَّا هوى عَلَيّ، حاولتُ مُفاوضَتَه بِالتّنَحِي قَلِيلاً عَنِّي لِأقومَ، لا يرد، إنَّه لا يرد. رُبَّما ماتْ أو رُبَّما أحزنته سُرعَةُ النِّهاية! أو أن خَيْبتَهُ هائِلةٌ لانهيارِ عِمارتِنا .. أظنُّ أنّه كانَ يرجُو عُمْراً أطولَ يَعيشُهُ قائِمًا ليشهدَ تعليقَ لوْحاتٍ عِدّة، ويرى وجُوهًا أكثر، ويَسمَعَ أسرارًا أعمقْ. لكن عُمرَ قاطِني غَزّةَ لا يَطولُ أصلاً، حتّى بِالنِّسبَةِ للجُدرانِ الاسمنتيةِ. المهم .. هو لا يزالُ راقِدًا عَليّ بِكُليَّته. اخترَقَتْ إحدى الأعمِدَةِ الفُولاذِيَّةِ أضْلاعَي، سَالَ دَمٌ سَاخِنٌ لَزِجٌ وثَقِيلٌ عَلَى ثَوْبِي.  سجادتي العَزيزةُ التي اخترتُها بِعِنايَةِ مُحِبٍّ مَفتُونٍ بِزخارِفِها البَدِيعَةِ الدَّقيقةِ .. تَبقَّعَتْ! وغُبارُ المَبنَى حينَ تداعَى أكملَ تشْويهَها بِرماديَّته العقيمة. لم يبحثْ عنّي أحد .. أو ربّما وجدُوني، وعجزوا عن انتشالي لِشدّةِ القَصفِ، أو ربم...

عن الموت إذا صار حكاية قبل المنام

Image
لمْ يكُنْ الْمَوتُ يَومًا مَوضُوعَ حَدِيثٍ شَيّقٍ لأيِّ والدٍ ليقُصَّه على أبنائه.  لكنّه غدا ضَرورةً لمّا تفشى الوباءُ الأخيرُ، وتناهتْ إلينا أنباءُ الفقدِ في عِدّةِ أُسَر. صعُبَ عليّ إسنادُ مهمةِ حَديثٍ هامٍ كهذا إلى غيري .. أنا أمهم التي خاضتْ معهم مراحلَ التكوّنِ والنّشأةِ المُباركة، وألمَ المخاضِ، وسهرَ التربيةِ بكُل تفاصيلها وعنائها وجمالها.  إذن لم يكن من بدٍ إلا أنْ أديرَ هذا الحديثَ معَ صغاري بِصدقٍ ووضُوحٍ. أذكر أننا تحدثنا عن تفاصيلَ كثيرةٍ، أروى بكتْ وهي تصِفُ لي مخاوفها من حياةٍ طويلةٍ دوني.  وأنا أدركُ تمامًا تعلُّقها بي، معاذ كان أصغر من استيعابِ الفِكرةِ لكنه بدا قلِقًا وهُو يُتابِعُ دُموعَ أخواته. وأدركُ أن النُّورين خبّأتا مخاوفَ أعمقَ لمْ يحكينها بينَ العَبراتِ التي انهمرتْ رُغم جهدهن البالغِ لمقاومتها. خلاصةُ الحديثِ الأليمِ الطويلِ أننا لا نملك ضماناتٍ، ولا ندري هل سيمرُّ بنا هذا الابتلاءُ بردًا وسلامًا، أمْ أنّ اللهَ قد اختار مُسبقًا أحدنا لِيفِدَ إليه. الآن .. أعيشُ انخلاعَ القلبِ من طمأنينته وأنا أتأملُ مشاهِدَ القصفِ الفاجرِ على سماءِ ...

ما جدوى حياة تعيشها خائفًا؟

Image
ما جدوى حياةٍ تعيشُها خائِفًا؟! ( ما جدوى عُمر تقضيه هارِبًا؟ ) بِودّي لوْ أستفرِغُ الدُّنيا كُلّها .. كُلّها حتى لا يبقى في جَوْفي مِنْها شيءٌ تُسعَّرُ بي نارٌ تنهَشُني منْ هذا الخذلان المُقزِّز، من أنْ ترَ الْحَقَّ جليًّا واضِحًا بديهيًا، منطقيًا جِدًّا، ثم تتحجَّجُ الأفواجُ حولَكَ بِالمُوهِنات: الناسَ ،  ضياعَ المالِ،  خسارةَ الدُّورِ والأولادِ كُلْ كالدّابةِ لا ترفعُ رأسَك لا تُناقِشْ، لا تسألْ، ولا تعترِضْ إذن، ما جدوى نبضٍ تهْدرُهُ ميِّتًا؟! ثم يواجهك السؤال:  ماذا عَنهُم هُم إذًا؟ الصَّغيرةُ التي سَحقُوا إخوَتَهَا تحتَ خُرسانةِ مَنزِلِهم؟ والطِفلُ الذي أخمدوا ضحكاتِهِ وأحالوهُ هامِدًا على كُفوفِ والدِهِ؟ والعروس التي وأدوا أفراحها دُفعةً واحِدةً؟ والابنُ الذي ودَّعَ أباه - مُحتضِرًا - في مكالمةٍ هاتفيةٍ؟ والزَّوجةُ التي باغتها وجهُ أحبِّ الناسِ إليها بينَ أفواجِ الجُثَثِ الدَّامية؟ والأمُ التي لا تدري أيُّ شبابها يُزفُّ إلى قَبرِه قبلَ عُرسِهِ؟ والأشلاءُ التي يُجهَلُ أصحابُها تحتَ الرُّكامِ الثَّقيلِ، حين تمتزجُ الدُّموعُ والملامحُ في لحظةِ الظُّلمِ الأ...

وداعٌ

Image
أمُّ الشهيدِ تُوَدِّعُ .. لا بل تُودِعُ فُتاتَ رُوحِها بينَ طَيَّاتِ الكَفَنِ المُخضَّبِ بِالدَّمِ والطُّفولةِ، تَدُسُّ حَرَّ دُمُوعَها، وَبعضَ الصَّلَوَاتِ الطَوِيلَةِ، وقُبلَتيْن، ثُمَّ تسمحُ للرِّجَالِ بِنَزْعِ وَليدِها مِنْ صَدرِهَا، وتعودُ هِي لِمَا تبقَّى مِنْ رائحةِ البيْتِ. ستعودُ مُحمَّلةً بِعبءِ الهَمَساتِ المَريرةِ التي دَسَّتها في خَدِّ الشَّهيدِ وَلمْ تلْقَ لها إِجَابةً. بقلم/ رُقيّة

أنْ تكونوا في خيرٍ

إلى الأربعة الأحبِّ إلى قلبي .. والأغلى والأحلى:  أنْ تكونوا بخير  أنْ تدُومَ العَافِيَةُ في عُرُوقِكُم وتبقى الْبَسمَةُ زَاهِيَةً عَلَى شِفَاهِكُم أنْ تظلُّوا بِخَيرٍ أنْ تسيرَ بِكُم الأيامُ سيْرًا هَيّنًا ليّنًا لطيفًا، فلا أحزَنَ لِغمامَةِ كَدَرٍ تَسكُنُ أعيُنَكُم، ولا أرى فِيكُم هَمًّا ولا خَوْفًا مِنْ مُقْبِل. أنْ تدومُوا بِخَيرٍ تزدَحِمُ مائِدةُ الْعَشاءِ بِحكايا صَباحاتِكُم، وتضِجُّ الصَّالةُ بِضَوْضَاءِ لَعِبِكُم وَتنازُعِكُم. أعتَبُ على الأحذِيَةِ المُهْمَلَةِ والدُّمَى المَرمِيّة، وأُهزَمُ بِحِجَجِكُم الْوَاهِيةِ وَأعذَارِكُم المَكشُوفَةِ. تفِيضُ الطّاوِلاتُ بِألوْانِكُمُ الْخَشَبِيَّةِ، وقُصاصاتِ أوْرَاقِكُم المُلَوَّنَة. أُرتِبُ لكُم الأدراج وتعبَثُونَ فِيها كُلَّ مَرَّةٍ. ثُمّ نُعِيدُ مُحاوَلَةَ ترتِيبِ مَا لنْ يُرَتَّبْ، نَعقُدُ مُعاهَدَاتٍ وَشُرُوطًا ومَواثِيقَ لَنْ تَتَحقَّق. أُغْمَرُ كُلَّ مَسِيّةٍ بِتَسَاؤُلاتِ أروى، ومُغامَرَاتِ المُعاذ، وقِصَصِ صُويْحِباتِ حُورٍ، وقَهْقَهَاتِ النُّور. ألثُمُ مِنْكُم الأعناقَ، وتنغَرِسُون في أضلاعي كُلَّ صُبْحٍ، ونهمِسُ لِبَ...