فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا
أستحضِرُ الآنَ وَقوفي على سجادةِ الصَّلاةِ ..
ووجهي مُغْتسِلٌ بِدمْعِ الخَوف
وأنتَ نائمٌ في مَهدِك
أبكي خشيةً عليكَ .. لا فزعًا من حُكمِ اللهِ
لكِنَّها شَفَقةُ الأُمِّ، و حُنُوِّ الوَالِدة
قلْتُ بينَ الدَّعواتِ المُرتبِكة ..
" ربِّ .. وَهَبْتَنيهِ مِنْ غَيرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلا قُوَّة
فَأتْمِمْ عَليَّ فَضْلَكَ، وبَارِك لِي عَطِيَّتَك "
،
أيْ معاذ
أقصُّ عليكَ حِكايَةَ ذِراعِك يا بُني ..
ذِراعك اليُمنى التي كَانَتْ لِي آيَةً
وُلِدتَ في ظَرفٍ استثْنائي
شَهِدَتَهُ المَلائِكةُ المَدعُوَّةُ بِالتَّراتِيلِ
وأبوك عِندَ رأسي متعجبٌ أنْ تأتِيَنا دُونَ عَونٍ مِنْ طَبِيبَةٍ أوْ مُمَرِّضِة
،
وُلِدتَ - يا معاذ - في مُفاجأةٍ لا تفسيرَ لها
إلا أنَّ اللهَ إذا أرادَ شيئًا أَتَمَّه .. وَقَد كُنْتَ
،
عُدتُ بِكَ إلى البيتِ .. بَعدَ ثَلاثٍ قَضيْناها
وأنتَ في غُرفةِ الحاضِنة
قالوا .. أنّك بِحاجةٍ إلى رِعايةٍ خاصةٍ بعدَ رِحلَةِ حَملِكَ التي تخلَّلها شَيءٌ مِن الوَهْنِ .. وولادتك على نَحوٍ مُفَاجِئ .
عدتُ بِكَ إلى البَيتِ
إلا أنَّ أولَ مَا لاحظته ذراعَك اليُمْنى الخَامِلَة
وعلى نقيضِ نظيرتها .. كانت هادئةً بِشكلٍ مَلْحُوظٍ ومُرِيبٍ
الطبيبُ يشْهَدُ في استمارِةِ الإذنِ بالخُروجِ من المستشفى أنّكَ بِخير، وقلبي - قلبُ أمِّك - كَانَ يَشُمُّ الكِذبةَ
صدّقتُ قلبي .. وذهبنا بكَ إلى أخصائي أعصابٍ قديرٍ
حرِصَ أبوك على استشارةِ الطبيبِ الأفضل
وبعدَ بحثٍ مُطوَّلٍ، وسُؤالٍ عريضٍ عنْ أمْهرِ أطبّاءِ الأعصابِ .. استقرَّ الرأيُ على مُقابلةِ الطبيبِ طارق
دخلنا قِسم الأعصابِ ، وأنت ملفوفٌ بينَ يديَّ في قِماطِك الأبيض ، لم تُكمِل أسبوعَك الأولَ حتّى !
كَمْ أوجعتني نَظَراتُ المُمَرِضاتِ وهُن ينظرن إليكَ بِحَسرةٍ
مُستفْهِماتٍ عَنْ سَببِ الزيارة.
أحزنني ما بثّته أعينُهُن من الشَّفقة عليك، وأنا اؤمِّلُ فِيك بَهجَةَ المُستقبلِ، وربيعَ العُمرِ - يا ولدي - وأرجو أخيرًا أنْ تكونَ على حَمْلِ نعشِي قادِرًا ..
وأذكرُ في تلكَ الغُرفَةِ البَارِدةِ، والطبيبُ يُقَلِّبُكَ بَينَ يَديه؛ ليُجيبَ انهِمارَ أسئِلةِ والدِك القَلقِ عليك..
شلل إرب .. هكذا أسمّاه
أعجز عنْ نسيانِ هاتين الكلمتين ، وإنْ كانَ إدراكُ كُنهِ الثانيةِ مِنهُما صعبًا فورَ سماعِه، إلا أنَّ احتماليةَ ( الشللِ ) البيّنةَ في هذا التشخيصِ المُوجعِ كانت كفيلةً بهدمِ رجائي في أنْ يكونَ ما نحنُ مُقبِلُون عليه من ابتلاءٍ يسيرًا أو قصيرًا.
شلل .. !
شلل !!!
وأنت ابني الوحيد .. الوحيد الذي أمَّلتُ أن يكونَ لِوالده عونًا عند كِبره، ومُعينًا في حاجته، وعكازًا عليه أستندُ إذا وهنَ العظمُ مني واشتعلَ الرأسُ شيْبا.
أذكر أني سألتُ طبيبكَ بلهفةٍ عن مَوعدِ التشافي المُتوقّعِ لإصابتك، ولا أنسى إجابته الخافتة: " لا نعلم .. الأمر كله في علم الله" .
وكان فيما قالَ أنَّ خُطةَ عِلاجِك سترتكزُ كُليًّا على مدى تجاوبِ أعصابِك الصغيرةِ مع التمارينِ المُقْترَحَة.
ثُمَّ ساقَ لنا خَبرًا مُوجِعًا آخرًا .. شكُّوكه بتعرُّضِك لإصابةٍ أخرى في مِفْصَلِكَ، إمَّا لظروفِ وِلادتِك الخاصة، أو لسوءِ الرعايةِ خلال مُدةِ بَقائِك في الحضانة. مما اضطرَّنا لقبولِ اقتراحه بأن يلفَّ ذراعَك الصغيرةَ بجبيرةٍ تحميك من الألم الذي سيُباغِتُك كُلما احتجتُ إلى تغييرِ قمصانِك القُطنية.
أذكرُ أني لمْ أنمْ ليلتها..
وفي غرفةِ أخواتك
وبعدَ أنْ نامَ البيتُ وأُسدِلتْ الستائرُ
وقفتُ على سجادةِ الصَّلاةِ طويلاً
ودعوتُ اللهَ ألا يفجعني بك
دعوته - الليلَ كُلَّه - ألا يفجعني بك
،
وبين هُطُولِ الدَّمعِ والدَّعواتِ المُستَرسِلة
سمِعتُ بقلبي صَوتًا خَفيًّا
" فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا "
ولَكَمْ كانَ الصَّوْتُ عَمِيقًا .. مُطَمْئِنًا .. و نَقِيًّا
و" فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا "
وتَفَكَّرتُ .. في كَمِّ التَّفاصِيلِ الجَمِيلَةِ التي لا تكتَمِلْ لتكون
و تأملتُ في قُدرة اللهِ
اللهِ العظيمِ القادرِ .. المُهيمن
الذي ساقَ مُوسى بِرحمتِهِ في اليَمِّ الطَويل
ولطفَ بهِ في بيتِ عَدُوِّه، فلمْ يجعلْ لهُ عليهِ من سُلْطانٍ
الله
الذي سواك وسواني من العدم
قادرٌ - يا حبيبي - على شفائك
وأنْ يُوقظَ بِحَولِهِ عَصبَكَ المُتضَرِّر
وأنْ يَلُمَّ بِقُدرتهِ على الخَلْقِ رَتقَ عَضَلِك
وأنْ يُعيدَ إليْكَ ما ابْتَدَأهُ مِنْ جَمال صُنْعِكَ، وحُسنِ تسويتِك
فرَضيتُ يا حبيبي
رضيتُ بِحُكمِ اللهِ فيكَ
وفوَّضتُ لهُ أمرَك كُلَّه
ولهُ - سُبحانه - اطمأننت
وقلتُ لهُ في تلك الوَقفةِ الطويلة
" ربِّ آمنتُ بكَ
ورضيتُ بِكَ حكما
وأعلمُ أنّكَ على كُلِّ شَيءٍ قديرٍ
وأنّكَ - أي رب - سألتني الدُّعاءَ
وهذا سُؤُلي وتِلكَ طِلْبَتي .. وحاجتي التي لا تُعجِزُك "
..
وكان يا معاذ أنْ مضت الأسابيعُ
وأنتَ تكبرُ ويدُك ملفوفةٌ بالجبيرة القاسية
تحيطُك المُعوذاتُ
وتحومُ حولك الآياتُ
ولأجلك أٌحيي الليلَ
أناجي الرحمنَ الرحيمَ
أبثُّه ما لا يُشكَى إلا إِليهِ
..
ثم كان فرجُ اللهِ .. وأمْرُهُ النافِذ
وإذ بِكَ ترفعُ اليدَ النائمةَ
ترفعها .. رُغمَ ثِقَلِ الجَبيرةِ البيضاء
ترفعها .. وبها تعيدُ إليّ ووالدَك بردَ أعيُننا التي بكتكَ طويلا
..
صغيري المُعاذ
بعد شهورٍ قليلةٍ ستكمِلُ - وللهِ الحمدُ - عامَك السادس
وأجِدُ فيكَ يا حبيبي ميلادَ المُعجِزات، وبركةَ الدُّعاءِ
و أنَّ فضلَ اللهِ كانَ عليَّ عظيمًا
آمِنْ باللهِ يا صغيري
واعلمْ أنَّ ربَّك على كُلِّ شيءٍ قديرٍ
صانك الرحمنُ في كُل خطوةٍ من عُمُرك
وأعاذك من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ لا تُطيقُ شَرَّه
وبعثَ إليك مدده وبركاته ما أبقاك على هذه البسيطة
كان اللهُ أنيسَك في حِلِّك وتِرحالك
ودامَ لكَ ناصِرًا وهاديًا ووليًّا
والحمدُللهِ رَبِّ العالمين
أمك .. رقية
٣٠ - أكتوبر - ٢٠٢٢م
Comments
Post a Comment