اطمئنان .. وأسرار أخرى
القوةُ العُظمى التي تتابعُ وترى وتقدِر
الربُّ الجبارُّ الرحمنُ الرحيمُ
هذه الفكرةُ الوحيدةُ التي أطمَئِنُّ إليها
فكلُّ ما أجِدُه لم يعد لحُضنِ أُمِّي قُدرةٌ على إِخمادِهِ
بل أخجلُ حقًّا من كشفِ مخاوفي لها .. أعني مخاوفي السوداءَ المقيتةَ التي يكونُ من البِرِّ ألا أُثقِلَ بها رأسَها.
أحزانُك المُتشَعِّبَةُ بِقُبحٍ كَصَبّارةٍ مُشوَّهةٍ، صَريرُ ضُلوعِك في غَمَرَاتِ الخَوفِ مِنْ أشياءَ تعلمُ بِحقٍّ أنّكَ أوهنُ مِنْ أنْ تخوضَها وحيدًا بِقلةِ خِبراتِك، وضيقِ حِيَلِك ووهنِ رُوحِك.
في مثل هذه السَّاعاتِ الحالِكةِ داخِلَ أضْيَقِ أنْفاقِ العُمرِ التي بِالكادِ يُمكِنكَ فيها سَحبُ نَفَسٍ مُتقطِّعٍ، في ذلكَ المُنعطَفِ الحادِّ المُؤلمِ لا يتجلّى الأمنُ إلا في فكرةٍ واحدةٍ
أنَّ اللهَ مَوجُودٌ هُنا حَتْمًا
وأنَّ قُدرتَهُ المُذهِلَةَ ولُطفَهُ العظيمَ ورحمتَهُ الواسعةَ ستتجلّى في توقيتها الأجمل، كما هُوَ الحَالُ دائمًا
دائمًا .. كما يجيءُ الفجرُ
ستتجلّى رحمتُهُ
كما تطلعُ الشَّمسُ .. سأرى مَشاهِدَ قُدرَتِهِ
وأعلمُ كما هو الحالُ دائما
أنّهُ موجودٌ، وأنّه قادرٌ، وأنّهُ سيتدخّل
أذكرُ في واحدةٍ من ساعاتِ الضُّحى - ذاتَ وجعٍ قديمٍ - في صلاةٍ عامِرةٍ بالأماني والأسئلة، كنتُ حينها في خِضَمِّ مأزقٍ صعبٍ، خاليةَ الوفاضِ - تمامًا - من أيّ فِكرةٍ عبقريةٍ يُمكِنُها أنْ تُحيلَ هذا الغمَّ الشاهِقَ إلى ابتسامةٍ باردةٍ، وكنتُ بعيدةً جِدًّا منْ أيّ قُدرةٍ بشريةٍ يُمكِنها أنْ تُسهمَ - ولو قليلاً - في بثِّ الأملِ لتغييرِ الواقعِ البَشعِ الذي كنتُ أعيشُهُ
حينها .. قلتُ لهُ - سبحانه - بِثقةٍ تامّةٍ: " ربِّ أنت تنظرُ إليّ الآن، وتسمعني، وتدركُ تمامًا ما أنا فيه .. ولا أحتاجُ لشرحِ أيّ شيءٍ لك؛ لثقتي بأنك قد رأيت كُلَّ شيءٍ، وأحطتَ بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وأنا أرجو حقًّا أنْ تتدخَّلَ .. أرجو منك أنْ تتدخّلَ .. وكان
كان يا صحبُ .. لا أقولها لكم لتُجرِّبوا .. بل لتُؤمِنُوا
لم يعد لي ما أخشاه بعد الآن، فكُلُّ المخاضِ الصّعبِ الذي مررتُ به خلالَ العُقُودِ الثَّلاثِ التي عِشتُها أوصلتني لحقيقةِ وجودِه وقُدرتِه العظيمةِ الجميلةِ، وأرى من واجبي أنْ أعترفَ لكم بذلك؛ ليسهُلَ عليكم عُبورُ هذا العُمرِ دونَ تخبُّطٍ ولا انكساراتٍ حادةٍ، ولا أن تحتاجوا - أعزّكم اللهُ - إلى التعلقِّ بأيّ مخلوقٍ عاجزٍ لا يملِكُ لنفسِهِ ضرًّا ولا نفْعًا
أدركُ أن تجربتي الحياتية متواضعةٌ جدًّا، وأنني لمْ أصِلْ يومًا لفزعِ موسى وهو يُعاينُ مكرَ السَّحرةِ، ولم يبلغْ قلبي يومًا حنجرتي كما ذاقَ أنصارُ رسولِ اللهِ في ظلالِ السيوفِ ، ولم تبلغْ بي الحيرةُ أوجها وأنا بينَ البحرِ المُتلاطمِ و جنودِ فرعون .. لم أبلغْ صبرَ أيوب في مِحنته .. ولم أُرمَ غدرًا في بِئرٍ قفرٍ .. لكني خُضتُ معاركي المتواضعةَ التي صنعها اللهُ على مقاسي لأتبلْورَ، فأتعرّفُ عليه وإليه به، ولأصِلَ وأعرِفَ وأُؤمِن، ولمْ يَعُدْ لي غايةٌ إلا أنْ يقبلَ ويرضى ويغفِر
رجاءً .. ليَكُن اللهُ ملجأَكُم الأولَ والأخيرَ، وإليه بُثّوا كُلَّ أحزانِكُم ومخاوِفِكُم والتفاصيلَ الصغيرةِ المتراكمةِ التي أعياكُم حملُها.
فكلُّ من تُحبون لنْ يَسعَهُم تغييرُ الأحداثِ لِأجلِكُم، لنْ يستطيعوا إدخالَ نَفَسٍ واحدٍ لرئاتكم، ولنْ يكفُّوا عنكُم أذى صُداعٍ بسيطٍ في عصرٍ مَا .. لكنَّ اللهَ وحده قادِرٌ إنْ شاء .. استعينوا به دومًا، احتموا به، وكما قال أصدقُ مبعوثٍ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ: (اللهم أنتَ عضدي، وأنتَ نصيري، بكَ أحولُ وبكَ أصولُ، وبكَ أقاتلُ).
آواكم اللهُ ورعاكم
رُقيّة
١١/نوفمبر/٢٠٢٢م
Comments
Post a Comment