عن جَدَّةٍ تسكُنُ الوتين


عن جَدَّةٍ تسكنُ الوتين
بقلم: رقية الهوتية

...

بعد ثلاثةِ أشهرٍ على غِيابِك 
أيْ ما يقارِبُ اثنتا عشر جُمعةَ حُبٍّ عَبَرَتْ..

دُونَ عَينَيك .. 
ولا قِصصك ..  
ولا كعكةِ الهَالِ التي نقتسِمُها مَغمُوسَةً في حلاوةِ بسمَتِكِ، وإصرارِكِ العَنيدِ الحَبيبِ بِألا يُمنَعَ أيُّ طِفلٍ في حَضرَتِكِ مِنْ حَقِّهِ في الزِّيادَةِ.

ثلاثةُ أشهُرٍ ..
 واثنتا عشر جُمعَةٍ خاويةٍ ..
ولا أزالُ حائرةً مشدُوهةً ..
وأرفضُ الاعتِرافَ بِأنَّ غِيابَك هذه المَرَّةَ سيكُونُ طويلاً ، طويلاً جدًا .. وشاسِعًا .. وأكبرَ من الصَّمتِ المُرِّ الذي تُمسي عليه جُدرانُ مَنزلِكِ الهادئ.


كبِرتُ يا جدتي
كبِرتُ على أنْ أصدِّقَ أنَّكِ في إحدى زياراتِكِ للمُستشفى وستعودين.
كَكُلِّ مَرَّةٍ .. 
رُغمَ أنفِ كدماتِ الإبَرِ المُغَذِّيَةِ
ورُغمَ انتفاخاتِ ذِراعِك الصَّابِر
ورُغمَ وحشة المُستشفى الكبيرة

كبِرتُ على كُلِّ حُجَجِ الغِيابِ التي نُطمْئِنُ بها الصِّغارَ أمامَ فَيَضانِ أسئلتِهِم ..
لكني لمْ أكبر بعدُ على احتياجِ وُجُودِك، وافتِقادِ أسئِلتِك، وشَوقي لِعِتابِكِ على الأحفادِ الذين لنْ يَزدَادَ عَدَدُهُم .. وَأنتِ .. أنتِ التي أحببتِ الصِّغارَ في أقمطتهم البيضاء..
وأحبَّكِ كُلُّ أبناءِ أحفادِك كما لوْ كان لكِ سِحرٌ عَذبٌ يَشُدُّ نَحوَكِ الصغارَ والضِّعافَ والمساكين..

ولم أكبر على اندهاشي من تحوُّلِ المكانِ الذي تنزلين بِهِ، وأنتِ تغمُرينهُ بِدِفءِ ترانيمِك العَذبةِ، وقِصَصِ الأشرِعَةِ التي امتدّتْ في مِياهِ الرَّحيلِ لبَحّارةٍ أحببناهُم في أغانيكِ النَّاعِمَةِ. 
كمْ غَفَتْ في حضنك مَوَاليدُنا، ومعها في هالةِ طُمأنِينتِكِ سكنتْ قلوبُنا وهي تُنصِتُ لتغاريدكِ الطويلةِ الهادِئةِ ..
...

ثلاثةُ أشهرٍ يا جدتي
واستدارةُ وجهِكِ وأنتِ تتلألئين في بياضِ الكفنِ تملأ عَيْنيّ.
يدي .. وهي تتلمّسُ خدّيكِ وحاجبيك، وأنا ألمُّ بِهِما كل ما أستطيعُهُ من تفاصِيلِ ملامحِكِ كي أواجِه بها زمهريرَ سُكونِك.

( يس )
 وأنا ألفُّها لأجلِ بَياضِ قلبِكِ
وهُم يُودِّعُونكِ ..
(يس)
 التي خبّأتُها لكِ وهُمْ يرفعونكِ على أكتافِهِم.. 
(يس) 
التي كررتيها أمامنا مِرارًا بِأجملِ صَوتٍ وأحنِّ حُنجُرةٍ ..
( يس)
 التي أشكُّ أنها انهمرت مِنكِ في القُبلاتِ والأحضانِ والكلمات ..
( يس ) 
التي عقدتيها في عيديّةِ الصِّغارِ، وهدايا العُرسِ، والأثوابِ الصَّغيرةِ التي غرزتيها لِحفيداتِكِ ..

آه يا أم جمال ..
 هذا غيابٌ هائلٌ وعظيمٌ
ونزيفُ جُمَعٍ تلي رَحِيلَكِ، لا أجِدُ لها ضِماداتٍ ولا سلوى ..  
وأبي .. أبي الذي باغَتَهُ اليُتمُ، وتضاعفت على كتِفَيْهِ أثقالُ السِّنينِ دُفعةً واحِدةً.
وأنا ها هُنا أُحصي بَعدَكِ جُمَعَ الغِيابِ
جُمعةً جُمعةً
عاجزةً عنْ تسكينِ ألمِ الفَقدِ، ويُمزِّقُني أنْ جُمعةَ أبي مَبتُورةٌ ويتيمةٌ هي مِثلُهُ 
ومِثلُنا جَمِيعًا.

أم جمال ..
عسى أنَّ اللهَ الرحيمَ قد أبدَلَكِ عن الشالاتِ الرائعةِ التي تُوزّعينها في بَردِ الشِّتاءِ نفحاتٍ من رحمته وحنانه ..

عسى أن الرحمن قد ألبسَكِ بَدلاً من خواتمِكِ التي زانتْ يَدَكِ الكريمةَ حُلِيًّا زاهِيةً يُسَرُّ بِها خَاطِرُكِ ..

عسى أنَّ الجَميلَ الوَدُودَ قد أبهجَ قلبَك بزينةٍ تعمرُ أنامِلَك كما سكنتها الحِنّاءُ في حَياتك.

عسى أنَّ العزيزَ الواسعَ قد عوّضكِ عن حديقةِ منزلِكِ التي أحببْتِها، وشَجَرِ الفُرصادِ والليمُونِ والبيذام، وزَهرِ الياسمين بِحدَائِقَ غنّاء ظِلُّها مَمْدُودٌ وثَمَرُها دانٍ.

عسى يا حبيبتي أن ربَّكِ الكريم قد أبدلَكِ عن أسطوانةِ الأكسجينِ التي صَبرتِ عليها أمَدًا طَويلاً أنفاسًا هانئةً طيّبَةً من رِيحِ الجِنانِ العَطِرَةِ.

...

مرارةُ غيابِكِ تُباغِتُني كُلَّ يَومٍ .. 
وأنا أُعِدُّ عِشاءَ صِغاري .. 
وأنا أرتِّبُ سَريرَ النّومِ ..

وأنا أسيرُ في مَمَرّاتِ العَملِ
وأنا أحرِّكُ مِلعقةَ الشَّاي.. 

تُباغِتُني ابتسامتُكِ..
و أجدُّ يدَك حاضِرةً في كفّي..

ألمحُكِ على سريرِك..
ترتسمين في خيالي وأنتِ تُجاهدين لالتقاطِ نَفَسٍ ..

أُحِسُّ بِكِ قريبةً دافئةً .. 
وتسألين عن الصِّغارِ والأيامِ والصِّحةِ
و " سامحوني" 
التي كنت تختمين بها كُلَّ لِقاءٍ مِنْ لِقاءاتِنا الأخِيرةِ .. وكأنكِ أدركتِ .. أنَّ مَوْعِدَ مُغادرتك بات قريبًا .. جِدًا.

...
جبرَ اللهُ قلبي بلِقائِكِ يا حبيبة في جَنّته
لا شيء آخر سيُهوِّنُ هذا الوَجَعَ المَرِيرَ 
لا شيء سيطوي صَفحَةَ فُقدانِك الجَلل
لا شيء ..


رقية الهوتية
٢٥ يونيو ٢٠٢٣م

Comments

Popular posts from this blog

الجُثّةُ التي لمْ يتفقّدها أحد

ما جدوى حياة تعيشها خائفًا؟

عن الموت إذا صار حكاية قبل المنام