طَائِرةُ أَمل
(بعضُ الأرواحِ تستعيذُ باللهِ دَومًا مِنْ أنْ تمُوتَ عَلَى تُرابٍ غير تُرابِ طُفُولَتِها، أوْ أنْ تُدفَنَ أضلاعُها فِي أرضٍ لا تتقِنُ لُغتَهَا)
كانَ الطَّبِيبُ شِبهَ مُوقِنٍ بأنَّ مَرِيضَهُ لنْ يَصِلَ إلى وِجهَةِ عِلاجِهِ، فقد رأى فِيهِ كُلَّ أمَارَاتِ الرُّوحِ التي تُوشِكُ أنْ تنسلّ مُغادِرةً.
لكن إصرارَ ابنتِهِ على حَقِّ والدِها في استكمالِ مَعركةِ البَقَاءِ سمحَ لها بِحَجزِ تذكِرةٍ له، رُغمَ مُحاولاتِ إقناعِها المُتكرِّرَةِ بالتّخلي عن هذه المُغامَرَة.
أمَّا والدها فكَان مُغادِرًا أصلاً رُغمَ أجهِزةِ المُراقَبَةِ، ونُعُومَةِ السَّرير ، وعِنايةِ المُمَرِضَةِ ، وشَفَقةِ مُحبِّيه ، وأدعِيَةِ أُمِّه.
...
في الطائرةِ لم يفتح لابنته عينًا، بينما ظلّتْ هي حَافِلةً بالأمَلِ والصَّلَواتِ، تلهُو بِشُعَيْراتِ أصَابِعِهِ الْخَامِلةِ، تتأمَلُ ظهرَ يديه الذاويةِ، تحلُمُ بأنْ تُعِيدَهُ هذه الرِّحلَةُ جَدًّا لِصغارِها. فكُلُّ فتاةٍ ترجو بقاء أبيها عمرًا أطول ليُشبِعَ أحفادَه لَعِباً وحُبًّا .
...
علتْ الطائرةُ .. قاومها الهواءُ، والضّغطُ، والشّمسُ. والبنتُ تقِفُ في صَفِّ الأجنِحَةِ المُرتَبِكةِ بِدُعائِها الكثيفِ لتكونَ الرِّحلةُ يسيرةً مُباركةً، مُكلّلةً بِالشِّفاءِ.
...
والرُّوحُ الطَّيّبةُ التي كانت تتسلَّلُ من عُرُوقِ الجَسدِ مُذْ فارقوا أروِقَةَ المَشْفَى الباردِ، الرُّوحُ التي لمْ تختر لِباسَ السَّفَر، ولمْ تٌكلِّفْ نفْسَهَا عَنَاءَ زَحزَحَةِ الْبَدنِ مِنْ سَريرِ العِنايَةِ إلى السَّريرِ المُتحرِّكِ الذي ساقُوهُ إلى الطّائِرَةِ ..
الرُّوحُّ التي لمْ تخترْ أيَّ شَيءٍ كانتْ مُنْشَغِلَةً بِرِحلَتِهَا إلى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ.
..
قَبْلَ أنْ تُفارِقَ الطَّائِرةُ سَمَاءَ الوَطَنِ أعلَنَتْ المُمَرِضَةُ وَجَعَ الأرقَامِ: " لقد رحل "
والحقُّ أنّهُ كان راحِلاً أصلاً وهُمْ يُرتِّبُون لهُ حقائِبه
كان راحِلاً أصلاً وهُمْ يُعِدُّون لهُ سَريرَهُ
كان راحِلاً وهُم يُنهُون إجراءاتِ سَفرِه الرَّسمِيّةَ
كان راحِلاً وهُم يختمون على جَوَازِ سَفَرِه وأوْرَاقِهُ الطِّبيَّة
كان قد رحلَ أصلاً !
من أوجع النهايات أن يعودَ الإنسانُ مخبوءًا في صُندوقٍ مُعتِم بعد أن كان على كرسي المُسافرِ.
..
اللهم الرحمةَ لكُل رُوحٍ تلقّاها مَلَكُ المَوتِ وهي بعيدةٌ عن مُحبيها.
رقية الهوتية
الصورة ل Leio McLaren
Comments
Post a Comment